السيد محمد تقي المدرسي
361
من هدى القرآن
فكيف والحال أن الإيمان بها يمنحهم مزيدا من النعيم في الدنيا ، والثواب في الآخرة ؟ ! . والدرس بمجمله يطهر القلب من أدران حب الدنيا المانعة من الإيمان بالرسالة ، وذلك من خلال بيان خطأ موقف أهل مكة الذين لم يبادروا إلى الإيمان خشية فقدان مصالحهم العاجلة . بينات من الآيات : [ 57 ] ترى بعض النظريات أن المدنية تورث الخوف لأن أهلها يريدون الاحتفاظ بمكتسباتها ، فيقدمون التنازلات لدرء الأخطار عن أنفسهم ، ولعل أهل مكة كانوا في هذه المرحلة . إذ كانوا يخشون من الاصطدام مع قبائل العرب حتى لا يخسروا مكتسباتهم ، وكانت القضية التي يتوقع أنها تثير العرب ضدهم هي إيمانهم بالرسالة الجديدة ، فكفروا بها وقالوا : نخشى أن تزول حالة الأمن التي نعيشها لو أننا آمنا ، فتطفق العرب باقتحام بلدنا ، واختطافنا من الأرض وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ، وفي هذا الحديث اعتراف منهم بأن سبب كفرهم بالرسالة ليس في نقص الأدلة ، بل اتباعهم الهوى المتمثل في مصالحهم الخاصة ، وقد رد الله عليهم : أولًا : إن مصدر هذه النعم هو الله ، وليس الناس حتى يتصوروا أن الاختلاف معهم سوف يؤدي إلى زوالها ، فالله هو الذي جعل الكعبة محلا آمنا ، وفرض على الناس جميعا ومن فيهم العرب - من الناحية التشريعية الدينية - الالتزام بحرمتها وإلا لما كانت مكة بلدا آمنا في عرف قوم شعارهم الخوف ، ودثارهم السيف ، ولهجموا عليها ، وحطموا الحضارة الناشئة فيها . ولو كان ثمة قانون يمنعهم من ذلك لمنعهم من التقاتل . إن الذي يمنعهم هو القانون الإلهي منذ أيام إبراهيم عليه السلام بحيث لو التجأ الصيد إلى الحرم ما كانوا يصطادونه احتراما للكعبة ، حتى قال شاعرهم « 1 » : والمؤمن العائذات الطير يمسحها * ركبان مكة بين الغيل والسند يعني قسما بالله الذي أعطى الأمان للطيور التي تستعيذ بالحرم ، حتى إن القوافل التي تذهب إلى مكة لتمسح على ظهرها . ولكن قريش لم يعقلوا هذا العامل الأساسي ، لما يتمتعون
--> ( 1 ) العائذات : ما عاذ بالبيت الحرام من الطير ، الغيل : الشجر الكثير الملتف ، السند : ما قابلك من الجبل وعلا عن السفح .